من رحلاتي المجنونة في طلب الشهادة.. (شهادة الجامعة!)

وائل عباس، الصحفي والناشط المصري، في مقال له بعنوان: “حسدوا الغجر على ظل الشجر” تحدث عن رحلاته الملأى بالمواقف الصعبة والمزعجة، ورغم هذا يحسده الناس عليها. عاد بي عباس إلى ذكريات رحلاتي  التعيسة إلى دمشق ومنها، والتي تكللت أخيراً بحصولي على البكالوريوس في الإعلام.

لسوء حظي، ولكون الدراسة في الجامعات السعودية غير متاحة أو ميسّرة للأجانب، تقدمت بأوراقي وأتممت تسجيلي في السنة الدراسية 2009/ 2010 في جامعة دمشق. في سنتي الثانية اندلعت الاحتجاجات، ولهذا، ولأنني مقيمةُ وأهلي أصلاً في السعودية، انقطعت سنتين تقريباً عن جامعتي. وحتى حين رجعت، بعد أن هدأت الأحوال قليلاً في العاصمة، كان لزاماً عليً أن أبقى فقط فترة الامتحانات، إذ ما زال الوضع خطراً.

يذكر وائل عباس سرقة حقيبة سفره، أو فقدانها مرة في أحد المطارات، ورحلاته الدولية فاقت الـ 400، كما يقول. أما أنا ففقدت أمتعتي مرتين في مطار دمشق الدولي، مرّة حين أخطأت امرأة وحسبت حقيبتي لها، واستعدتها تقريباً في اليوم التالي.. والثانية، أعني في المرة الثانية الأكثر قسوةً، كنت وقتها حامل في شهري السابع، وصلتُ دمشق واستلم الركاب أمتعتهم، ولم تصل حقيبتي، لا أدري كيف ضلت طريقها وعادت مجدداً بعد أسبوع ربما، إلى الرياض، حيث تحقق منها زوجي، وأعاد إرسالها إليّ في دمشق، حتى ذلك الوقت كنت أنوي البقاء هناك لأنهي امتحانات الفصل الأول من السنة الرابعة والأخيرة..

أيضاً لم تصلني حقيبتي هذه المرة، إذ أكملت طريقها إلى اللاذقية ولم تنزل في دمشق.. سمعتُ لاحقاً أن هكذا حوداث تقع تحت علم موظفي المطار وترتيبهم، وبعد مضي فترة محددة من بقاء الحقائب المفقودة في المستودعات، تُفتح، ويقتسم أصحاب النصيب ما فيها.. أما في حال طالب أصحابها بما لهم، واستماتوا وتابعوا المستودعات في مطارات القطر السوري، كما فعلنا في حالتي، قد تعود الأمتعة، ولكن أيضاً، حتى تدفع “قرشين حلوين”..

في سفرتي تلك، رفض الدكتور الرفاعي (والذي أشرف لاحقاً على مشروع تخرجي) إدراج اسمي في قوائم طلابه ، أو بكلمات آخرى، قرر حرماني من المادة ذاك الفصل، ومعه كل الحق، فأنا لم أحضر محاضرةً عنده، والحضور محتسب في درجات القسم العملي من مادته..

وفوق كل ما أسلفت، أصبت بانقباضات تنذر بولادة مبكرة خطرة، وضربت عاصفة ثلجية اسمها “هدى” المنطقة، كان لها اسم أكثر شياكة في لبنان، جوليا أو ريتا ربما، لا أذكر حقيقةً، ما جعل سفري براً إلى لبنان، ومنها إلى الرياض ضرباً من المستحيل.. والبردُ قاهر، ولا كهرباء، وأخوف ما خفت أن ألد لفرط ألمي وتعبي، وأنا أصعد الدرجات المئة إلى بيت جدي حيث أنزل.

ولأعود من حيث أتيت، استطعت تأمين تذكرة على الخطوط السورية، من دمشق إلى جدة، بشكل غير نظامي، أقصد بعد أن دفعت بالبخور إلى مكتب للطيران هناك، والبخور بـ “الألم نشرح” كما قيل لي حينئذٍ: رشوة، تدفع لأحد موظفي الخطوط لييسر أمري.

ولكن لأنها الخطوط السورية أيها السيدات والسادة، تأخر إقلاعنا بضع ساعات، ففاتتني الطائرة المفترض أن تحملني من جدة إلى الرياض، حيث زوجي وبيتي الدافئ، وحيث الكهرباء والماء لا تنقطعان.

في جدة، بطني أمامي، وأمتعتي ورائي، ومعطف من الجوخ الثقيل، يسلقني ولا أستطيع خلعه، فلا عباءة معي! قاومت وطرقت الأبواب واستجديت حتى حصلت على مقعد شاغر على متن طائرة، طائرةٍ إلى الرياض..

بعد رحلتي الفظيعة هذه، أقسمت أن لا أطأ مطار دمشق الدولي، وأن أعود عن طريق مطار رفيق الحريري في بيروت، بعد أن أضع حملي وأستريح، وهذا ما كان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *