ما وراء القرف

لم تكن الحياة بالنسبة للبشر معقدةً منذ فجر التاريخ، كما هي اليوم. وكل الأنظمة والتقنية والاكتشافات لم تزدنا إلا قلقاً وتقييداً. ومشكلتي الشخصية التي أنوي البوح بها في هذا السياق، وأظنها واحدة من مشاكل كثيرة تقف الحضارة وراءها: هي التقزز، التقزز المفرط.

بدأ التقزز أو الشعور بالقرف من الآخر فيما أعتقد، أول ما بدأ، نتيجةً للفردانية والخصوصية، فلأنني فريد، مختلف عن الآخر، والآخر غريب لا يشبهني، ولأن “هذا الشيء” لي وحدي ويخصني؛ من غير المريح أن يلمسه غيري أو يستعمله.

ترف الشعور بالقرف

لذلك لم يعرف الإنسان التقزز من الآخر أيام المشاعية البدائية، حين كان “الشيء” للجميع. وكلما ازدادت بدائية المجتمعات، وكان الناس أكثر التصاقاً وتقارباً، والأشياء والمتعلقات الشخصية أقل، كلما تضاءل القرف والتقزز من الآخر.

وكذلك الأمر في الظروف القاهرة، كالحروب والمجاعات وفي السجون، لأن الإنسان لو تقزز لمات جوعاً أو عطشاُ، أو قرفاً. غريزة البقاء تقهر التقزز، تسحقه.

وزيادة على ضرورة وطبيعية الالتصاق بالآخر والقبول به قريباً، تنعدم أو تكاد، وسائل النظافة والعناية الشخصية لدى المجتمعات البدائية، وفي الظروف القاهرة في كثير من الأحيان، وحينها تلقائياً يتقبل الناس كثيراً مما نتقزز منه، لأنه كيف للإنسان أن يتقزز مما لا يمكن القضاء عليه؟ كيف نقرف من الطبيعة؟

 

النظافة من الحضارة.. لا الإيمان

مع تحضرنا وتمدننا، عرفنا الآداب والقواعد العامة للسلوك، من آداب الطعام والشراب، والعطاس والسعال، والتصرف اللائق في الأماكن العامة، وغيرها.. توافقنا حول هذه القواعد، وعلى أهمية احترامها، وصار أي انتهاك لها أو استهتار بها، مدعاة للاشمئزاز والقرف. وبدخول هذه القواعد ميدان الأعراف العامة، اكتسبت قوتها، إذ يحتاج الناس إلى الامتثال للعرف، ليضمنوا القبول الاجتماعي.

 

الرأسمالية تستغل تقززنا

أذكت الرأسماليةُ في الناس التقزز من كل شيء، لتنتعش تجارة الشركات الكبرى المصنّعة لمواد التنظيف والتعقيم والتطهير. هم حريصون على إبقائك متقززاً، ويستهدفون تحديداً هذا الشعور في الجمهور، وحاجته الملحة التي لا يمكن إشباعها إلا بالقضاء على الجراثيم والقاذورات والأوساخ من كل نوع.

الصابون الجديد تتحول رغوته إلى اللون الأخضر على اليدين، كدليل يؤكد نجاحه في دحر الجراثيم، أي شعور بالإشباع والنظافة؟!

في إعلانات أخرى، ترون الجراثيم مكبرةً حولكم، في كل مكان ضمن محيطكم، وعلى بشرتكم وفروة رأسكم، وحين تعطسون، أو تلعبون في الحديقة.. الجراثيم مخيفة، كثيرة، الناس يحملون الجراثيم وينقلونها، الناس خطرون ومقرفون”..

ولكل نوع أو شكل من القذارة والأوساخ منظف أو مستحضر. فما تروج له الإعلانات كمنظف للحمامات لا يصلح لغسل الملابس مثلاً.. ومسحوق غسيل الملابس مختلف عن المسحوق الملطف للأقمشة، والذي يحارب بدوره الروائح من دخان أو عرق ويمنعها من أن تلتصق بالملابس.. كما أن مسحوق الغسيل أيضاً لا يعمل وحده دائماً، إذ يحتاج في كثير من الأحيان إلى مستحضر آخر لإزالة البقع والحفاظ على ألوان الملابس زاهية.. ويمكنكم القياس على هذا المنوال فيما يخص مختلف المنتجات الأخرى..

الخاسر الحقيقي: الإنسان القرفان

اقتصاد القضاء على أسباب القرف، وإرهاب البشر وترويعهم من الجراثيم والطبيعة، قاد في الحقيقة إلى تطور هذه الجراثيم وتعزيز دفاعاتها لتقاوم أصناف المستحضرات المضادة لها الموجودة حالياً، وهذا خطير، لأننا قد نصل مستقبلاً إلى حيث لا ينفع مع هذه الجراثيم ديتول أو غيره..

والإنسان القرفان هو الخاسر أيضاً لأنه في الحقيقة، لن يستطيع التغلب تماماً على االطبيعة وسيقضي حياته في حربها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *